الفرار عبر الحقول والألغام.. شهادات من دير حافر السورية عن حصار خانق وخطر دائم
الفرار عبر الحقول والألغام.. شهادات من دير حافر السورية عن حصار خانق وخطر دائم
يعيش عشرات آلاف المدنيين في مدينة دير حافر الواقعة شرق محافظة حلب، تحت حصار خانق وسط تصاعد التوترات العسكرية، فيما تمكن مدنيون سوريون بصعوبة من الفرار من المدينة تحدثوا عن واقع إنساني قاسٍ، مؤكدين أن قوات سوريا الديمقراطية قسد تمنع السكان من مغادرة المنطقة، في محاولة لإبقائهم داخلها واستخدامهم دروعا بشرية مع اقتراب عملية عسكرية محتملة، ووصف هؤلاء المدنيون وصفوا أياما من الخوف والترقب، حيث أغلقت طرق الخروج، وتحوّلت الحقول والمسارات الترابية إلى الملاذ الوحيد للهروب من الموت.
وبحسب ما نقلته وكالة أنباء الأناضول، الخميس، عن مدنيين فارين من دير حافر، فإن السكان يناشدون المجتمع الدولي التدخل العاجل والضغط على قسد للسماح بخروج المدنيين بشكل آمن من مناطق الاشتباكات في حلب، وأكدوا أن الممرات الإنسانية التي أعلن الجيش السوري فتحها لم تؤدِ دورها بسبب إغلاقها من قبل التنظيم، ما جعل آلاف العائلات عالقة بين خطر القصف وتهديد السلاح.
استعدادات عسكرية وانتظار قلق
يستعد الجيش السوري لتنفيذ عملية عسكرية ضد عناصر قسد على خط دير حافر مسكنة غرب نهر الفرات، في وقت ربط فيه بدء التحرك العسكري بخروج المدنيين من المنطقة، وعلى الرغم من إعلان تحويل المنطقة إلى منطقة عسكرية مغلقة وفتح ممرات إنسانية لإجلاء السكان، فإن الواقع على الأرض يعكس صورة مختلفة، حيث لا تزال العائلات محاصرة، وتنتظر فرصة نادرة للفرار.
محمد أبو موسى، أحد المدنيين الذين تمكنوا من الفرار مع عائلته، يروي تفاصيل ليلة عصيبة قضاها وهو يحاول النجاة، يقول إنه اضطر إلى قيادة سيارته بين الحقول، بعيدا عن الطرق الرئيسة، وقضى الليل داخل المدينة تحت القصف المستمر، ويضيف أن أصوات الانفجارات لم تتوقف طوال الليل، ما تسبب له ولأفراد عائلته بانهيار نفسي شديد، وبعد ساعات من الخوف، تمكن من سلوك طريق ترابي وعر، قبل أن تصلهم فرق إغاثية ساعدتهم على بلوغ منطقة آمنة.
نساء وأطفال في قلب المعاناة
سيدة أخرى فرت من دير حافر مع زوجها وأطفالها الأربعة تحدثت عن لحظة قرار الرحيل من حلب، مؤكدة أن عناصر قسد يمنعون المدنيين بشكل مباشر من مغادرة المدينة، وتقول إن كثيرا من العائلات حاولت الخروج لكنها أُجبرت على العودة، وتضيف أنها لم تكن تعرف إلى أين تتجه، واضطرت لترك منزلها وكل ما تملك خلفها، ورغم شعورها براحة نفسية بعد مغادرة المنطقة، فإن القلق لا يزال يلازمها بسبب بقاء عدد كبير من الأقارب والجيران محاصرين داخل المدينة.
أحمد حايك، وهو مدني آخر تمكن من الفرار، أكد أن قسد أقامت حواجز مكثفة على الطرق ومنعت بشكل كامل مرور المركبات والمشاة، وأوضح أنهم اضطروا إلى الالتفاف عبر الحقول، حيث واجهوا صعوبة كبيرة في السير بسبب وعورة الطرق، أما مصطفى الحسون، فكانت تجربته أكثر خطورة، إذ قال إن عناصر التنظيم هددوهم بشكل مباشر بالسلاح، وأخبروهم أن عليهم البقاء أو مواجهة إطلاق النار، لافتاً أن هذا التهديد دفعه إلى الهروب مع عائلته عبر طرق غير نظامية محفوفة بالألغام.
الخوف من الألغام والموت الصامت
الحسون أشار إلى أن كثيرا من العائلات ترغب في مغادرة دير حافر لكنها تخشى القتل أو الانفجار بالألغام المزروعة في محيط المدينة، ويؤكد أن المدنيين لا يبحثون سوى عن مكان آمن للعيش، سواء في منبج أو حلب أو أي منطقة خاضعة لسيطرة الحكومة، وحول هذا الخوف اليومي حول حياة السكان إلى معركة بقاء، حيث بات الخروج مغامرة قد تنتهي بالموت.
بدوره أوضح بلال حسون أن الدولة أعلنت المنطقة عسكرية وحددت مسارات إنسانية لإجلاء المدنيين، إلا أن قسد أغلقت هذه الطرق ومنعت السكان من الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، ويضيف أنهم تمكنوا من الوصول عبر طرق غير نظامية، واضطروا لعبور نقاط تفتيش ومسارات خطرة مزروعة بالألغام، وأكد أن آلاف المدنيين ما زالوا ينتظرون الخروج، في ظل وضع إنساني بالغ السوء يحتاج إلى تدخل عاجل من منظمات الإغاثة الدولية.
تطورات ميدانية متسارعة
خلال الأيام الماضية، أرسل الجيش السوري تعزيزات إلى شرقي حلب بعد رصده وصول مجموعات مسلحة تابعة لقسد وفلول النظام المخلوع قرب مدينتي مسكنة ودير حافر، وأعلن الجيش تحويل المنطقة الواقعة بين المدينتين إلى منطقة عسكرية مغلقة، متوعدا باتخاذ كل ما يلزم لردع تحركات التنظيم. وفي اليوم التالي، أعلنت هيئة العمليات فتح ممر إنساني لإجلاء المدنيين، إلا أن هذه الخطوة اصطدمت بمنع فعلي على الأرض.
تأتي هذه التطورات بعد تصعيد شهدته مدينة حلب في 6 يناير الجاري، عندما شنت قسد هجمات من مناطق سيطرتها في حيي الأشرفية والشيخ مقصود على أحياء سكنية ومنشآت مدنية ومواقع للجيش، ما أسفر عن مقتل 24 شخصا وإصابة 129 آخرين، ورد الجيش السوري بعملية عسكرية محدودة في 8 يناير انتهت في 10 من الشهر نفسه، تمكن خلالها من السيطرة على الحيين، ورغم انتهاء العملية، استهدف التنظيم مبنى محافظة حلب بطائرة مسيرة دون وقوع إصابات.
اتفاق معلق ومستقبل غامض
لا تزال قسد تتنصل من تطبيق بنود اتفاق أبرمته مع الحكومة السورية في 10 مارس 2025، ينص على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرقي البلاد ضمن إدارة الدولة، وإعادة فتح المعابر والمطار وحقول النفط والغاز، إضافة إلى التأكيد على وحدة الأراضي السورية وانسحاب قوات التنظيم من حلب إلى شرق الفرات، في المقابل، تواصل الحكومة السورية جهودها لضبط الأمن في البلاد منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024 بعد 24 عاما في الحكم.
تعد مدينة دير حافر واحدة من المناطق ذات الأهمية الاستراتيجية في ريف حلب الشرقي، نظرا لموقعها القريب من نهر الفرات وخطوط الإمداد الحيوية، وشهدت المنطقة خلال السنوات الماضية تغيرات متكررة في السيطرة العسكرية، ما انعكس مباشرة على أوضاع المدنيين. ومع تصاعد التوتر بين الجيش السوري وقوات سوريا الديمقراطية، بات المدنيون عالقين في قلب صراع معقد تتداخل فيه الحسابات العسكرية والسياسية، وفي ظل غياب ممرات آمنة فعالة، تستمر معاناة السكان، وسط مطالب متزايدة بتدخل إنساني دولي يضمن حماية المدنيين وحقهم في مغادرة مناطق النزاع بكرامة وأمان.










